Table of Contents
Toggle
وقد وضع المشرع العُماني أساساً مهماً لذلك في المادة (17) من قانون تبسيط إجراءات التقاضي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (125/2020)، حين قرر أنه لا يجوز حبس المدين «ما لم يثبت امتناعه عن التنفيذ رغم قدرته على الوفاء».
فالنص لم يرتب الحبس على مجرد عدم السداد وإنما على ثبوت القدرة ثم الامتناع رغمها ، وهذا يقتضي التفرقة بين المدين القادر المماطل ، وبين من فقد عمله أو تعثر نشاطه أو لم يعد يملك مالاً يستطيع الوفاء منه.
ويتعزز هذا المعنى بالمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تقرر عدم جواز سجن الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
ومن هنا يثور التساؤل حول عبء الإثبات: على من يقع عبء الإثبات ؟! فإذا كان القانون يشترط للحبس ثبوت القدرة على الوفاء، فإن الأقرب – في تقديرنا – ألا يفترض اليسار ثم يُطالب المدين بإثبات إعساره وإنما ينبغي أن تتوافر أمام قاضي التنفيذ أدلة على قدرته وامتناعه رغمها.
وهو ما يدعو كذلك إلى التساؤل عن الحاجة إلى دعوى مستقلة لإثبات الإعسار متى لم تثبت القدرة على الوفاء ابتداءً !! اذن وفق هذا الفهم نرى بأن عبء الإثبات لم يعد على المدين بل على الدائن ، ويزيد ذلك إثارة بأن المادة 17 من قانون التبسيط كأنها خصصت أو قيدت عمومية المادة 418 من قانون الاجراءات ،، والواقع أن أدوات التنفيذ نفسها تغيرت وتطورت ،
ففي عصر الرقمنة والربط الالكتروني منذ صدور قانون الاجراءات المدنية والتجارية في عام 2002 م ، فقد أصبح التحري عن الحسابات والأجور والعقارات والمركبات والحصص التجارية وغيرها أكثر سهولة وسرعة، بل ويمكن – في إطار القانون – وبكبسة زر التحقق من التصرفات المالية والعقارية التي أجريت أثناء نظر الدعوى أو قبيل التنفيذ ، متى قامت شبهة في أنها استهدفت إبعاد الأموال عن متناول الدائن، فالأولى أن نبحث عن مال المدين قبل أن نبحث عن شخصه .
كما أن حبس المتعثر أو المسرح من عمله قد يأتي بنتيجة عكسية؛ فالموظف الذي يمكن استقطاع جزء من راتبه قد يفقد عمله بسبب الحبس مما يؤدي إلى تعقيد الدين أكثر وأكثر ، ورائد الأعمال قد يتوقف نشاطه وتتولد عليه ديون والتزامات جديدة ، بينما تمتد الآثار إلى أسرته وأطفاله، وقد تصل الضغوط الاقتصادية إلى التفكك الأسري وتشتت العيال ويصبحون عبئا جديدا على المجتمع بل وقد تصل بعض الحالات إلى الطلاق، فضلاً عما تتحمله الدولة من تكاليف وجهود البحث والتحري و الحبس في التوقيف دون أن يؤدي أو يعني ذلك حصول الدائن على حقه .
وتزداد الإشكالية عند تعدد ملفات التنفيذ خصوصا لدى رواد الأعمال المتعثرين ، فقد يُمهل المدين أو يخرج في ملف تنفيذ ثم يحبس في آخر ، ثم يعود مرة أخرى إلى الملف الأول أو ينتقل إلى ثالث ، فيدور بين الملفات وبين المحاكم شرقا وغربا دورانا عبثيا لا طائل منه بينما لم تتغير حقيقة مركزه المالي وقد تطول مدة بقائه في الحبس دون وفاء فعلي لأي من الدائنين ..
هذا فضلا عن الآثار الأمنية السلبية للاغتراب لمن صدرت في حقهم مذكرات بتعاميم إلقاء القبض فقد يؤدي بضعيف الإيمان فيهم إلى ارتكاب جرائم أخرى بحثا عن المال أو تنتهي بطاقاتهم وجوازتهم ، ويزداد الأمر تعقيدا في أولئك الهاربين الذين يغادرون البلاد ويصبحون خنجرا في خاصرة الوطن والعياذ بالله.
وهنا تحديداً نرى مجالاً مهماً للتطوير التشريعي وحاجة ماسة للنظر في هذه المسألة المهمة ، فيمكن إنشاء سجل تنفيذي موحد للمدين تظهر فيه جميع ملفات التنفيذ المقامة عليه ، ومجموع ديونه ، وما تم سداده ، وأمواله ومصادر دخله ، بحيث تكون أمام قاضي التنفيذ صورة مالية متكاملة عن الشخص ، بدلاً من أن ينظر كل ملف بمعزل عن الآخر ، على أن تجمع في محكمة واحدة ، لدى قاض واحد .
و يمنح بداية الأمر أجلا للتسوية مع طالب التنفيذ أو السداد ، و عند تعدد الدائنين وتعذر السداد الفوري ، يمكن وضع خطة سداد قضائية موحدة تراعي دخل المدين والتزاماته الضرورية ، وتوزع المبالغ المتاحة كقسمة غرماء بين الدائنين وفق الأولويات التي يقررها القاضي ، مع إمكان ندب خبير و إعادة الجدولة والتقسيط والاستقطاع من الدخل إن وجد ، وبالجملة يعاد تأهيل هذا المدين المتعثر ليعتمد على نفسه في سداد ديونه.
كما يستحق الأمر النظر تشريعياً في وضع سقف إجمالي للحبس التنفيذي وتنزيله دون 6 أشهر الحالية ، و اصدار نصوص في حال تعدد الملفات و في حال الإمهال في ملف تسري على جميع الملفات ، بحيث لا يتجدد إلى ما لا نهاية بسبب تعدد الملفات والدائنين ، مع إخضاع استمرار الحبس لمراجعة قضائية حقيقية مرتبطة ببقاء أسبابه وثبوت القدرة على الوفاء، لا بمجرد استمرار الدين في الذمة.
وهذه ليست فكرة بعيدة عن التطورات التشريعية في المنطقة، فقد جاء قانون التنفيذ القضائي القطري رقم (4) لسنة 2024 ليجعل الحبس مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر في السنة واشترط أن تثبت قدرة المنفذ ضده على التنفيذ ثم عدم امتثاله لأمر الوفاء، كما راعى المشرع القطري جوانب اجتماعية وإنسانية محددة ومنع الحبس في حالات نص عليها القانون.
وتكشفها كذلك تجارب أخرى في المنطقة، ومنها الإمارات والسعودية و البحرين و الكويت والأردن والمغرب ، وإن اختلفت أحكامها وتفاصيلها، ولكنها تسير إلى اتجاه يعني بإحاطة الإكراه الشخصي بقيود وضمانات ، والتمييز بصورة أكبر بين العجز الحقيقي وبين القدرة المصحوبة بالمماطلة أو إخفاء الأموال .
ولا تعني الاستفادة من التجارب المقارنة استنساخ تشريعاتها؛ فلكل دولة ظروفها وبنيتها القانونية والاجتماعية وإنما المقصود الاستفادة من الفكرة التي يقوم عليها التطور التشريعي الحديث: ألا يصبح بقاء الدين وحده مبرراً لبقاء الحبس أو تجدده إلى أجل غير معلوم!!
وفي المقابل فإن تطوير حماية المعسر يجب أن يصاحبه حماية جزائية ونصوص تجاه من يثبت إخفاؤه لأمواله أو تهريبها أو التصرف فيها صورياً بقصد تعطيل التنفيذ ، فالتشريع الحديث ينبغي أن يكون رحيماً بالعاجز ، ولكنه لا ينبغي أن يكون متسامحاً مع التحايل وذلك باستحداث نصوص جزائية أو التركيز على النصوص الموجودة في قانون الجزاء نفسه.

كما أن الديون ليست سواءً، ولذلك نرى أهمية التفريد في التنفيذ بحسب مصدر الالتزام وسببه؛ فالدين الناشئ عن ائتمان وقرض رضائي وتعويض عن خطأ يختلف عن النفقة الواجبة للأسرة وأجور العمال ويختلف كذلك عن المال الناتج عن احتيال أو فعل مجرّم ، ولا يستقيم أن تعامل جميع هذه الصور دائماً بالوسيلة التنفيذية ذاتها، ومن هنا يمكن أن تقوم عملية التطوير على ثلاثة مرتكزات واضحة:
أولاً: توحيد المركز التنفيذي للمدين من خلال سجل الكتروني يجمع ملفاته وديونه وأمواله ودخله.
ثانياً: اعتماد خطة سداد قضائية تقوم على التقسيط وإعادة الجدولة والاستقطاع من الدخل ، بما يحافظ قدر الإمكان على عمل المدين ومصدر رزقه ويحقق للدائن وفاءً فعلياً.
ثالثاً: وضع ضوابط وسقف للحبس التنفيذي تمنع تحوله عند تعدد الملفات إلى حبس متعاقب لا يعرف نهاية مع قصره على الحالات التي تثبت فيها القدرة والامتناع أو التحايل وفقاً للقانون ، حيث أن الستة أشهر الوارد ذكرها في قانون الاجراءات كسقف حالي لم تبين هل هي في الملف الواحد أو لعدة ملفات ؟! بل حتى هذه المدة طويلة جدا وتحتاج إلى معالجة وتخفيض.
وهذه الرؤية تنسجم مع مسار رؤية عُمان 2040 التي جعلت «التشريع والقضاء والرقابة» إحدى أولوياتها وتستهدف منظومة تشريعية مرنة وقضاءً ناجزاً يوظف تقنيات المستقبل ،
وقد شهدت السلطنة بالفعل خطوات واضحة في هذا المسار من تطوير الخدمات القضائية الإلكترونية إلى إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة وتطوير منظومة التقاضي بإنشاء بوابة المتقاضين الالكترونية ومنع التعامل الورقي ؛ ولذلك فإن تحديث قواعد التنفيذ المدني يمكن أن يكون امتداداً طبيعياً لهذا التطور.
إن الدولة العصرية لا تقيس قوة التنفيذ بعدد المحبوسين، وإنما بقدرتها على كفاءة الاجراءات الكفيلة بايصال الحقوق إلى أصحابها بسرعة وكفاءة وعدالة باتزان ودون تصادم مع حقوق الإنسان والحريات الفردية ، مع المحافظة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وقبل هذا وذاك فقد قرر القرآن العظيم هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾.
و في السنة المطهرة ما جاء في إمهال المدين المعسر قول النبي ﷺ:
«مَن أنظرَ مُعسرًا، أو وضعَ عنه، أظلَّه اللهُ في ظلِّه» . رواه مسلم ، وذلك يؤكد بأن الشرع الحنيف قد حسم المسألة تشريعيا و يسير نحو هذا الاتجاه الذي يراعي قدرة المدين.
إن المطلوب ليس حماية المدين على حساب الدائن، وإنما بناء منظومة تعرف الفرق بين من لا يدفع وهو قادر ومن لا يدفع لأنه لا يستطيع !!
فمن كان له مال نُفذ على ماله ومن كان له دخل نُظم الوفاء من دخله ، ومن تعثر أعيدت جدولة التزاماته ، ومن أخفى أمواله أو تحايل على التنفيذ واجهه القانون بنصوص جزائية تعالج الموقف، أما العاجز حقيقة، فإن تكرار حبسه لن يحوله إلى موسر ولن يصنع مالاً غير موجود.
وهنا يكون تطوير إجراءات التنفيذ خطوة أخرى في بناء دولة القانون العصرية التي تستهدفها سلطنة عُمان ؛ تشريع يحفظ للدائن حقه ، ويحفظ الكرامة الآدمية و ويقدس حقوق الإنسان ، ويراعي المعسر ، ويوظف التقنية ، ويضع الحرية في المكان الذي يليق بها في منظومة عدالة حديثة.
المحامي يحيى الغافري